عندما يساهم الفن الإنساني في إندماج اللاجئين

المسرح، الرسم والحكاية.. أبجديات  تسرد قصص اللجوء  في زمن الحروب

فرقة قرية الدعاسيق للفنون المسرحية توظف الفن لخدمة الانسانية حيث بددوا الخوف والالم  ولامسوا  دواخل المعاناة.

إعداد: راضية صحراوي

يقال إن لكل داء دواء ، و دواء النفس المنهكة من مشاهد العنف و الحرب و الدمار هو البوح عن مشاعر دفينة وعيون لم تر الا سواد القذائف وركام البيوت المهدمة ومشاهد الموت والحرمان من الوطن، من الحرية والهوية.

الكثير من الأطفال عايشوا ألم الحرب ، ألم هجران الأرض والابتعاد عن الحي والمدرسة والألعاب، أطفال رحلوا الى مكان أسمه المخيم جدرانه تخفي بين زواياها أحلام  الطفولة و تتوارى وراءها حكايا وقصص مؤلمة هذه الأخيرة تحولت من خلال  مجموعة من الفنانين الى أعمال إبداعيه باحة المخيم حولت الى خشبة مسرح و الجمهور هو الطفل اللاجئ وقصص انسانية تحولت الى أعمال فنية مازجت بين المسرح و الموسيقى و الرسم ازالت رتابة حياتهم اليومية.

المسرح  أداة فنية

للبحث عن الهوية:

 داخل  باحة مخيم الزعتري في الأردن، تحاول فرقة قرية الدعاسيق للفنون المسرحية و الأدائية  مداعبة اوجاع أطفال سورية في خطوة تهدف لإبعادهم عن الآثار السلبية للحرب ودعمهم نفسياً.  فقد وظفوا المسرح كبرنامج للدعم النفسي لتخفيف الصدمات النفسية عن  الاطفال الذين عايشوا أهول الحروب و الدمار والموت.

قرية الدعاسيق فكرة  نسجت فيها قطع فنية مزجت بين التمثيل والسرد القصصي والأداء الصوتي واللعب مع الاطفال من مختلف الفئات العمرية لإدخال الفرحة الى قلوبهم . قرية الدعاسيق تحاول ملامسة معاناة اللاجئين فتعلمهم كيف يحلمون باشياء جميلة كيف يصنعون من السواد قناديل مضيئة تنير مستقبلهم وتبدد مخاوفهم.

لم يكن سهل على فرقة الدعاسيق اخراج أطفال المخيمات من عزلتهم، حيث مجالات الابداع فيها معدومة ما حفز الفرقة على توجيه طاقات الاطفال الى امور ايجابية  وممتعة بعيدا عن العنف وذكريات القصف والرصاص من خلال تقديم العديد من الورشات الفنية والأعمال المسرحية، فكانت احدى الخيمات خشبة  للمسرح وكانت قصص اللاجئين حكاية مسرحية ، وكان الجمهور هم الاطفال اللاجئين ،اعمال تأخذهم بطريقة سلسة الى عالم الخيال ، اي لا وجود للحرب ولمظاهر الحزن بل فقط  اصوات الضحكات و صور ملونة بالأمل و قطع تمثيلية ممزوجة بالفرح و السعادة  عالم الخيال فيه الحلوى و ألألعاب العاب لا تنزف دما بل ابتسامة.

الزميلة راضية صحراوي حاورت مؤسسة  فرقة  قرية الدعاسيق الاعلامية اريج النابلسي في هذا الحوار عن تجربة الفرقة  في دعم الاطفال اللاجئين بالمخيمات ومساعدتهم في تخطي صور الحرب، تحدثت عن كيفية توظيف الفن في القضايا الأنسانية عن الحب و السعادة وعن أشياء كثيرة تزيل سواد الدمار .

الاعلامية اريج النابلسي

كممثلة مسرحية كيف يمكن ان نوظف الفن المسرحي في العمل الانساني ؟

 للمسرح دور كبير وفعّال في مجال العمل الإنساني وذلك عن طريق توظيف هذا الفن في تسليط الضوء على القضايا الإنسانية وطرحها للجمهور وزيادة الوعي فيها وإيصالها للعالم بشكل مستساغ ومناسب للفئات المختلفة من المجتمع من كبار وصغار . فالمسرح يعمل كمدعم و مقوِ للعملية التعليمية والمعرفية ويقوم بنقل الكثير من الرسائل و الدروس ضمن مواقف درامية معينة .

غالباً ما يقوم اللاجئون بقمع مشاعر الألم والوجع  التي عايشوها  في مواطنهم المدمرة كيف للمسرح ان يعيد صياغة مشاعرهم بطريقة إيجابية؟

يمكن للمسرح أن يعيد صياغة مشاعر الوجع والألم التي قمعها اللاجئون بطريقة ايجابية عن طريق إبراز مواطن القوة لدى هؤلاء اللاجئين وعن طريق بث الأمل لديهم من جديد بأنّ القادم أفضل وبأنّ الدّمار سيتبعه الإعمار ، وايصال الرسالة التي مضمونها بأنّ الوجع والتجارب المؤلمة هي من تصنع انسان قوي ومكافح وصلب . وكما نعلم أن الكثير من علماء النفس و التربية يرون المسرح وسيلة مهمة جدا تستخدم لتحقيق الشفاء النفسي من بعض الظواهر النفسية  كالخجل و الانطواء وعيوب النطق و غيرها من الظواهر ، فالمسرح ليس  وسيلة للترويح و التسلية فقط .    

 قرية الدعاسيق فرقة  كانت لها العديد من النشاطات داخل المخيمات المتواجدة بالمملكة الهاشمية حدثينا عن هذه التجربة الجميلة؟

 تجربتي مع مخيمات اللاجئين  كانت تجربة فريدة من نوعها جعلتني على اطلاع مباشر مع الفئات العمرية المختلفة والتي يحتل الأطفال فيها الفئة الأكبر، وجعلتني أدرك بأنّ الأطفال يملكون قوّة وإرادة تفوق الخيال . وأنّهم بالرغم من ضيق الحال وصعوبة الظروف التي مروا بها والتي يعيشونها إلى الآن إلا أنّهم يحلمون بالغد المليء بالانجاز والسلام والحرية .

 هناك من يرى ان المسرح ليس أولوية لأفراد لا يملكون وطنا ً يحتاجون فقط الى الطعام و مأوى و تعليم،  كيف للمسرح ان يغير هكذا ذهنيات ويخرج اللاجئ من سجن الجمود والعزلة؟

إنّ احتياجات الانسان تنقسم ما بين احتياجات جسدية مثل المأكل والمشرب والدفيء وغيره ، واحتياجات روحية وفكرية لا تقل أهمية عن الاحتياجات الجسدية وهي ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات ، حيث أن الإنسان يعي ويفكر ، وما ينمي هذا الوعي والتفكير لديه هو الغذاء الفكري والروحي ومن أشكالها المسرح الهادف القادر على تنمية الفكر والروح لدى الإنسان وخاصة الإنسان اللاجيء الذي فقد ثقته بمحيطه . و انا أؤمن تماما بأن المسرح هو قناة تربوية هامة في مجال تكوين و بلورة شخصية الطفل نفسيا واجتماعيا و وجدانيا .

 هناك قوالب نمطية في العمل الانساني سجنت كيان الطفل اللاجيء  كإخضاعه للعلاج بمركز نفسي كيف لقرية الدعاسيق ان تبدد هذا التفكير؟

قرية الدعاسيق هي مفهوم جديد ومختلف للتغلغل في داخل تفكير الأطفال وتنمية الجوانب الايجابية لديهم ومحو كل ما هو سلبي بأسلوب محبب وممتع للطفل وبأسلوب يحاكي قدراته وميوله الطفولية ويمكن أن يستقبله الطفل بكل سهولة وليونة بعيد عن أسلوب التلقين أو التوتّر الذي قد يشعر به الطفل من خلال مراجعة الاخصائيين النفسيين . ونحاول دائما في قريتنا الصغيرة هذه أن يكون ما نقدمه  تفاعليا بمعنى اشراك الأطفال معنا في الأحداث والمواضيع اما من خلال القصة التفاعلية أو المسرح التفاعلي أو حتى من خلال الالعاب التفاعلية وهنا تجد نفسك قريبا منهم و هم أيضا يكسرون ذلك الحاجز و الجمود ويتفاعلون معك و يعبرون عما في داخلهم و عن احتياجاتهم و رغباتهم فكلما زاد عدد الحواس التي يستخدمها الطفل في استقبال فكرة معينة أدى ذلك الى دعمها وتقويتها و ترسيخها فما بالك لو هو شارك في تقديمها ؟ ..

المسرح فن ابداعي يوظف لغة الجسد و الأداء الصوتي  كيف يمكن لللاجيْ  ان يوفق في الاندماج في المجتمعات و الدول المستضيفة له ؟

  بإمكان المسرح أن يكون قوة دفع كبيرة لنصل الى نتائج بعيدة المدى فللمسرح فوائد عديدة منها العقلية حيث يلعب دورا هاما في تنمية و تطوير الوظائف العقلية للطفل من صور وخيال و مواقف مما يجعله يجتهد في توظيف ما يفكر فيه عن طريق الحركات و التصرفات و حتى في الكلام و التعبير عما يجول في خاطره ، وهناك الفائدة النفسية و التي من خلال المواقف التي يضعها المسرح في الطفل تجعله أكثر ثقة في نفسه و تتيح له الفرصة للتفكير أكثر في كيفية تخطي بعض المشكلات و العقبات وكيف يندمج مع من حوله مما يفتح الباب من حوله لتكوين علاقات اجتماعية ايجابية وهناك الفائدة الحسية وكيف يستخدم حواسه ليتفاعل مع المحيط  و الفائدة الحركية و تنمية المهارات الحركية و التي يستطيع من خلالها التحكم بحركات جسده  ومراقبتها وهذا يكون واضحا جدا عند اشراكه في الاحداث و جعله جزْا من الحياة المسرحية ومن أهم ما يجنيه الطفل هو المصطلحات و المفردات اللغوية التي والتراكيب التي يستطيع من خلالها بناء منظومة معرفية يستطيع من خلالها التواصل بكل رقي مع المحيط الذي يحيط به .

البعض يستعمل الدمى في التعبير عن مشاعر و أوجاع دفينة للطفل اللاجيء  في حين يتناسى ان الطفل هو من يجب ان يخرج مكنوناته بنفسه دون الاعتماد على مجسمات متحركة  مارأيك؟

الدمى المتحركة هي أداة لمساعدة الطفل وتعليمه كيفية التعبير عن مكنوناته وأوجاعه الدفينة فبعض الأطفال قد تجعلهم الأحداث المؤلمة التي مرت بهم يفضلون الصمت على الكلام ويرفضون التحدث عمّا يجول في داخلهم ، وهنا يصبح مسرح الدمى الوسيلة المثلى لهم للتعبير عن دواخلهم .

 في الاخير كيف ندفع الطفل الى ترجمت قصصه الانسانية الى اعمال مسرحية لإزالة  الرتابة على حياته اليومية؟

من خلال كل ما تقدم ذكره نجد أننا ساهمنا من خلال المسرح في صقل تلك الشخصية و التي نقول دائما فلنرتق الى مستواها  في كل شيئ سواء في التفكير او الخيال او الابداع او حتى في التعامل و النقاء وصفاء القلب ، فنحن عندما وضعنا حجر الأساس لديهم من معرفة و ما يحصلون عليه من فوائد مختلفة و في الكثير من النواحي و الجوانب  ، ستجد نفسك أمام اشخاص مبدعين مفكرين أصحاء قادرين على ترجمة ما يمرون به و قادرين على اسقاط  أفكارهم و مشاعرهم على أرض الواقع و بطريقة ايجابية راقية ، مهما كانت الظروف التي مروا بها قاسية فهم الآن قادرين على تخطي الصعاب و ترجمة الألم الى ابداع حقيقي . نسعى لنفسية طفل سوية مرتاحة خالية من الأحقاد و الأمراض يستطيع أن يعبر عن ذاته و مكنوناته بكل ثقة وبكل ايجابية .

Advertisements

One comment

اترك رد