طيف منسي في نهاية الزمان

بقلم: آية الناصر
الإعلانات

في نهاية الزمان هناك نقطة، نقف عندها نعود فيها لذكرياتنا وتعود الأسئلة من جديد، في ذلك المكان وجد نفسه عجوزاً هرما أكل منه الدهر ما أكل، والأيام كتبت على صفحاته بكل الألوان و بعض اللغات، بعض التفاصيل كانت حيادية، لها وقع جميل لكن تأثيرها ضعيف وجانبي، وتفاصيل أخرى كان لها بعض التأثير في أوقات متفرقة، ولكن مع الزمن بهت نورها وانخفض ذلك التأثير، أما تلك التفاصيل الأخرى بحلوها ومرها فقد تركت أثرها الدامغ في الحياة بكل أيامها، تلك تفاصيل لا يمكن نسيانها فقد حفرت في الروح الكثير من الخنادق، بعضها امتلأت بالأزهار والسنابل وبعض أشجار السنديان الثابتة، وأخرى امتلأت بقتامةٍ سوداء وبحر من المر والعلقم.

كان هناك عدة فرص بعضها غير جدير بالتفكير في اقتناصه، والبعض الآخر يمثل تجربة جميلة وفرصةً تمثل حسرة في القلب البالي، والأولى كان اقتناصها في ذلك الوقت، كان الأجدر وضعها ضمن الأولويات في فترة الشباب، لكن الآن ما عادت سوى ذكريات وسيناريوهات تقول ماذا لو.

ماذا لو استثمرت نقودي في ذلك المشروع ليصبح لدي مصدر دخل يدر بعض النقود، وماذا لو اجتهدت واخترت تخصصاً آخر وتبعت شغفي بدلا من أن أفعل ما ينبغي أن أفعل، ماذا لو كتبت ذلك الكتاب واستثمرت كلماتي في تلك الرواية، ربما لو فعلت، ربما أضحت حروفي مكتوبة في التاريخ، وربما بعد مائة عام واكثر كنت سأبقى حيا ولن أموت في القلوب.

ماذا لو تحركت عندما وقفت أمامي، ماذا لو لم أكن جباناً من الداخل، لكانت الآن جدة لأحفادي، ولما كنت على هذا الكرسي البارد وحدي، ربما كنا نجلس في بيتنا الدافئ نشاهد التلفاز من خلف النظارة السميكة، وأحفادنا يعبثون في المنزل من حولنا، وأولادنا البارّون يحيطوننا بالحب والحنان.

ماذا لو اقتنصت تلك الفرصة وسافرت لأكمل دراستي، ماذا لو لم أخف من الغربة ولم اتشاءم من كُرب الدهر.

ها انا اليوم اجلس وحدي، مثقلا بحزني، والوحدة تقتلني، أما الكآبة فهي سكين ينغرس في روحي، أنا لم أكن يوما قويا وعشت تلك الحياة العادية، خنت المغامرة وتركت المفاجأة، عشت انسانا نمطيا لا أبتغي أكثر مما ينبغي، عشت سطورا منسوخة من صفحات أخرى، ليس هناك ما يميزها ولا تحتوي أصالة أو إضافة أو حتى تحركا عن مسارها،

عشت كما ارادو لي أن أعيش، وها انا اليوم ظل منسي في أطراف الزمان

Advertisements

اترك رد