نبض القمر…

د.صالح المشاعلة
د. صالح المشاعلة

نبض القمر

ذات ليلة من الليالي القريبة كان القمر محاقا، صحوت كعادتي في الثالثة فجرا وكان البيت مظلما باستثناء نور خفيف ينبعث من الممر القريب، أدركت حينها أن الكهرباء مقطوعة وأن المصابيح الاحتياطية هي التي تعمل …
تسحبت من فراشي والنعاس يغالبني، تسللت نحو الشرفة الخارجية للمنزل بعد أن تدثرت بفروتي..
جلست على الأريكة الخارجية حيث البرد يلسع جسدي والطل يبلل فروتي، وثمة غيوم شفافة تسوقها رياح متمردة تتصارع مع الأشجار…
كل شيء في المكان موحش الرياح تزمجر والأشجار تتمايل والأوراق تتطاير والناس نيام، ولا يقطع سكون هذا الليل البهيم سوى رجع القمري وتغريد البلابل وضباح الثعالب وهدهدة الهداهد وشقشقة العصافير وتواج الضأن وضباب الليل والحسون مابين الحقول يسكب الألحان وأسمع من بعيد صوت راعي أغنام سرح مع غنمه في الحقول المجاورة أظنه من “سوريا الحبيبة” قد رفع عقيرته بالغناء ربما استوحش أو أظناه الشوق لأهله ووطنه الجريح، وكان يردد على وقع أجراس أغنامه:
ع البال بعدك ياسهل حوران ..
شرشف قصب ومطرز بريحان …
عرسك صبايا ولمتك خلان..
وانا غريب أسأل عن الرفقة…
أحسست به من أعماق قلبي لأنني عانيت ما عاناه من غربة وبعد عن الوطن والأهل والخلان…..

أحسب أن هذه المخلوقات قد أقلقها الظلام الدامس وأظن أنها قد تعودت مثلنا على الكهرباء، واستوحشت حين انقطاعها لذا شكلت جوقة فريدة متناغمة تزيد المكان وحشة على وحشته وربما تتعجبون أنها زادته بهجة على بهجته……..


  • لم أكن أعلم أن المكان موحش إلى هذا الحد – عندما تنقطع الكهرباء – إلا في هذه الليلة، علما أنني أسكن هذا البيت الجبلي منذ ثمان سنوات…
    ولولا أنني عشت ردحا من عمري
    على مثل هذه الأجواء وأصعب
    لكان الوضع ربما أكثر وحشة…..

  • لكن في المقابل أسعدتني هذه السيمفونية الطبيعية النادرة والمبهرة التي تناغمت وتكاتفت فيها هذه الكائنات عندما جمعها هاجس الخوف وغريزة البقاء….
    في هذه اللحظات الفريدة تسلل عطر الياسمين الناعم بلطف وهبت نسمات الريحان بحنان وتشبع المكان برائحة شجيرات الكالونيا ذات الرائحة الثقيلة…

  • سكنت قليلا وتناغمت مع سحر الليل الأخاذ والآسر، وشدني منظر بلدتنا التي تغفو على زند الجبال وتنام على حواف الوديان وتتكىء على جنبات جبل المصلى الشامخ بعلوه وتاريخه وتصحوا على صوت مؤذن الفجر وهو يردد بصوته الرخيم (الصلاة خير من النوم)..
    هذه الصور المتلاحقة جعلتني أذوب حبا وشوقا ونشوة وأستمتع من أعماقي بهذا المنظر الخرافي الذي أعادني إلى مرابع الصبا وإلى تلك الأيام الخوالي، حيث تجمعت ثلاثية الجمال في تلك الليلة: سكون الليل، وصفاء الكون، وعيون الفجر التي تسكب الألحان…….

  • تسمرت في مكاني وبدأت تباشير الصباح تلوح بالأفق وبدأت معالم المكان تتضح وأسفرت الطبيعة عن وجهها الجميل وبدأت مواكب السيارت تسير الهوينا وأنا مازلت أسترجع تلك اللحظات الإيمانية التي نقلتني إلى عالم آخر، استشعرت قدرة ربي الذي يسير هذا الكون بدقة متناهية ومحكمة منذ الأزل وحتى تقوم الساعة…
    غادرت المكان إلى الداخل وكنوز من الذكريات تتزاحم على مخيلتي، استحضرت الماضي المعتق بصمغ الحب وجذوة الشوق وعبير المحبة وصدق المشاعر، واستشرفت المستقبل وأنا كلي أمل بالله العلي العظيم أن القادم أفضل مهما ادلهمت الخطوب وتفنن أولئك الذين يعتبرون حمولة زائدة على الصرف الصحي في فسادهم وإفسادهم لأن هذا الوطن وجد ليبقى بعون الله ثم بهمة أهله الشرفاء الطيبين…

  • أصدقائي أحبائي: وددت أن أقاسمكم هذه اللحظات الجميلة حتى نستشعر معا جمال السحر حيث يكون الإنسان أقرب مايكون لربه…
    لذا توجب علينا أن نعيد سنة مهجورة وهي التفكر في خلق الله ومخلوقاته وخاصة في الركن الأخير من الليل ….
    دمتم ودامت محبتكم وحفظكم الله بحفظه ورعاكم برعايته…
Advertisements

اترك رد